نصرة النبي صلى الله عليه وسلم
كتبهامحمد الأمين ولد المصطفى ، في 30 مايو 2006 الساعة: 16:12 م

أيعقل أن تعظم شركة آرلا مؤتمر البحرين أكثر من بعض المسلمين2
الكاتب: د.رائد حليحل
أسباب وجيهة تستدعي رفع المقاطعة عن شركة (آرلا) لا عن سواها:
الأول: لا بد لنا أن نتنبه أن شركة (آرلا) شركة غذائية مساهمة فهي ليست تابعة للجريدة المسيئة ولا الحكومة المتواطئة وبالتالي فليست شركة (آرلا) مسيئة للمسلمين ولا داعمة لمن أساء إليهم، وعليه فتحميلها مسؤولية عمل غيرها ليس من العدل ولا من الإنصاف.
الثاني: شركة (آرلا) كغيرها من مواطني الدانمرك فإنه بعد أن استبانت الأمور وانجلت الحقائق فإنها لا تملك إلا الإدانة والبراءة من عمل الصحيفة وإعلان ذلك، ليقل الظهير ويضعف النصير للمسيء، وإن المتابع لما ذكرته الشركة في بيانها المنشور على صفحات الجرائد والصحف العالمية بل وعلى المحطات المرئية والمنصوص عليه في موقعها وباللغات الثلاث "العربية والانجليزية والدانمركية" من قرأه بتمعن يجده تصريحا واضحا لا لبس فيه، مما يجعل المسلمين إزاءه في حرج شرعي فرفض ما صرحوا بإدانته أمر يجانب الصواب، وقبوله ليس له معنى إلا رفع الضرر عنهم وإعانتهم على حل مشكلاتهم. والكلمة الأخيرة للإنسان فله الخيار الكامل، لأن توصية العلماء ليس فيها إلزام كما لم تكن المقاطعة أصلا على وجه الإلزام.
الثالث: أن تصريح شركة (آرلا) بأنها ستبذل ما بوسعها لمساعدة المسلمين في كل ما من شأنه أن يعيد لهم اعتبارهم ويحقق لهم احترام دينهم، يعتبر عملا إيجابيا لا يجوز التغافل عنه أبدا.
الرابع: أن توجيهها الخطاب إلى العلماء والدعاة المجتمعين في البحرين يجعل العلماء أمام التزام أدبي، إذ ليس من أدب الإسلام إذا ما استجارك أحد أن لا تجيره، كيف وقد ميز نفسه عن المسيئين، فبأي حق يلحق بهم مع براءته ويأخذ حكمهم مع إدانته، إلى جانب ما فيه من لغة الاحترام والتقدير للعلماء المجتمعين هناك.
الخامس: إن موقف الحكومة من كلام شركة (آرلا) بأنها ركعت للمسلمين، خير دليل على أن كلامها بل موقفها قد أدى ما نطمع إليه من تكثير المساندين لنا داخل المجتمع الدانمركي، ويقلل من أنصار المسيئين والمتعاونين معهم، فإن لم يكن في كلام (آرلا) إلا أنه أغاظ الحاقدين فكفى به شرفا لنا أن نجد نصيرا لنا من بينهم.
السادس: إن موقف العلماء العاقل والمتزن سيشجع أمثال (آرلا) لعمل مشابه، بل سيكون له أثره الدعوي الكبير إن لم يكن على المدى المنظور فلا شك أنه مستقبلا سيكون أمرا جيدا لصالح الإسلام ودعوته في تلك الديار، فالموقف كان رسالة متوازنة تماما ولسان حالنا يقول نحن لسنا غوغائيين كما تصورون حتى نعادي من سالمنا وكذلك لسنا بهذه الدرجة من الهوان حتى نسالم من يعادينا، فرسالتنا واضحة سلم على من سالمنا وحرب على من عادانا وبهذا يتضح للجميع لماذا قاطعنا ومن قاطعنا وما غايتنا من المقاطعة وما الحكمة منه، فهي ليست غاية في نفسها بل عملت لغاية وإن نبل الغاية لن ينسينا نبل الوسيلة أيضا. فالمقاطعة وسيلة لا غاية.
السابع: أن تجاهلنا لكلام (آرلا) سيسجل علينا لا لنا، ويظهرنا بمظهر غير المنصف ولا العادل بل ولا الإيجابي المتفهم لواقعه، وسيضعف موقفنا فنصبح في موقع المتأثر بالأحداث لا المؤثر فيها ويكفي ذلك مفسدة لأنه سيكون تجاهلا غير مبرر.
الثامن: أن الموقف الحكيم هذا كان له أثر إيجابي على واقع المسلمين في الدانمرك في وقت حاول الإعلام تصويرهم بأنهم مؤججوا نار فبدا للجميع أنهم عناصر إطفاء بل إنقاذ وإنهم يسالمون من سالمهم وهم متوازنون بين الحرص والغيرة والمحافظة بل والاستمرار بمطالبتهم بحقهم والذي من أعظمه احترام دينهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم، وفي نفس الوقت الذي يطالبون فيه بحقوقهم، يؤدون حقوق الآخرين، ولا يظلمون أحدا بجريرة غيره.
وبصراحة تامة، فإننا لا نخجل من موقفنا هذا لأن الله يعلم ويشهد أننا ضحينا وثبتنا في وقت قل فيه النصير وعز فيه الظهير، وكان وسيبقى شغلنا الشاغل إعزاز ديننا الذي دونه المهج ولا نخجل من استدلالنا بقول الحق (ألا تزر وازرة وزر أخرى) ولو استخدمت كثيرا في غير محلها، لكن المقام هنا واضح لا لبس فيه.
ولرب معترض يقول: ما دام الأمر كذلك فلماذا قوطع هؤلاء أساسا، فأقول مضيفا لما تقدم أن هذا الموقف "أعني المقاطعة" كان لا بد منه في أول الأمر. أما بعد اتضاح السبيل ومعرفة المجرم المسيء والمتعاون معه من المحايد بل الرافض فعلينا أن لا نجعلهم سواء وهم من قال الله عنهم "ليسوا سواء".
التاسع: أن شركة (آرلا) نفسها ولو كانت منطلقاتها مادية إلا أنهم أيضا محل لدعوتنا فإذا ما أحسوا بعدلنا وإنصافنا الذي خاطبونا به فلا شك سيكون له أثر دعوي عليهم وعلى أمثالهم ولن يفوتني هنا أن بعض الشركات بدأت بالاتصال باللجنة العالمية لتسوية وضعه أسوة بآرلا.
وللاطمئنان أكثر فإن جريدة اليولاند بوسطن وبتاريخ 14-05-2006 ذكرت (مستهجنة) أن شركة آرلا مارست كثيرا من الضغوط على رئيس الوزراء ليدين الرسوم ويعتذر من العالم الإسلامي. وتتهمها بأنها بالغت في أرقام الخسائر الناتجة عن المقاطعة لتستعطف الناس وتحملهم على الخضوع لرغبات المسلمين فيقدموا لهم الاعتذار الذي يكفل لهم رفع المقاطعة.
وختاما: نحن مسلموا الدانمرك لم نقل هذا تحت أي ضغط إلا رعاية لمصلحة دعوية بحتة ولأننا نرى أن ديننا يأمرنا بذلك ولو كان الضغط هو الدافع لطالبنا برفع المقاطعة مطلقا كما كان يطلب منا -إن من الخصم أو حتى من الصديق- ولكنا نقولها بفخر واعتزاز، دون خوف ولا وجل: أعز شيء على قلوبنا "حبيبنا ونبينا" ونفتديه بكل شيء، ولو كنا نعلم سبيلا يفضي إلى احترامه وتوقيره، حتى عند الكافرين، لسلكناه مهما كان صعبا.
فإن عبرت المقاطعة عن الحب فرفعها عن آرلا يعبر عن الإتباع الكامل له، وهو معلمنا أن لا نظلم أحدا أيا كان، فالتوصية برفع المقاطعة عن (آرلا) لا عن سواها فقط لموقفها لا يجوز اعتباره تفريطا بحق من حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه تمام العدل إذ أن المؤتمر قرر الرفع على الجهة التي أدانت الرسومات وتبرأت منها وأظهرت الرغبة في التعاون مع المسلمين لإيجاد المخرج المناسب لهذه القضية، ونلاحظ أن المؤتمر لم يوص برفع المقاطعة عن الجميع مطلقاً حتى يتهم بأنه أوهن المقاطعة وأضعفها، كيف لا وهو الذي قدم دراسة تأصيلية فيها التدليل على شرعية المقاطعة وأنها أسلوب حضاري ينبغي تفعيله والاستفادة منه بضوابط لا بد من رعايتها.
فبدل أن نقضي الأوقات في جدل لا يقدم ولا يؤخر لم لا نقبل جميعا على ما يجب علينا أن نمضي به في سبيل نصرتنا لرسولنا فإن سبيل النصرة ما زال مشرعا أمامنا، يحتاج منا أن نلجه لا أن نقف على أعتابه متعاتبين.
فالإساءة هي هي لم تتغير فهلا ابتكرنا ما يمكننا من تغيير المنكر وإزالته فضلا عن إنكاره، اللهم وفق الجميع لما تحبه وترضاه وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين.
رئيس اللجنة الأوروبية لنصرة خير البرية
تاريخ النشر في الموقع: 17/04/1427 هـ الموافق 05/15/2006 م
الكاتب: د.سلمان بن فهد العودة
في الصحيح عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا؛ فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ, يَا بَنِي عَدِي, لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا, فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ, فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ, فَقَالَ: (أَرَأَيْتَكُمْ, لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟).
قَالُوا: نَعَمْ, مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا.
قَالَ: (فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ!).
فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ, أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الخطبة أيضاً: (يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَي, أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ, أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا). رواه مسلم هكذا كانت أشهر خطب النبي صلى الله عليه وسلم، وبها انتقلت الدعوة من السر إلى العلن، كانت تبليغاً وإنذاراً وتبشيراً بكلمات قلائل، ووقت يسير، ولم تأخذ هذه الخطبة وقتاً طويلاً ولاشرحاً مملاً، ولا سجعاً متكلفاً مما تنوء به بعض الخطب.
بهذه الخطبة أوجز النبي - صلى الله عليه وسلم - كلامه، وأوتي في كل حديثه جوامع الكلم, واختصر له الكلام اختصاراً, ومع أهمية هذه الخطبة وتاريخيتها ودورها في فجر هذا الدين الإسلامي؛ فإنها لم تتشعب في التفاصيل, ولم تسهب في الشرح، فهي خطبة عظيمة لعظم المعنى الذي تحمله، والألفاظ التي عبّرت عن هذا المعنى، وجزالة الحرف، وصدق اللهجة, وشرف الموقف.
ومثل ذلك كانت خطبه صلى الله عليه وسلم، ولقد تعجبت يوم اطلعت على كتب السنة المعروفة؛ كالصحيحين, والسنن وغيرها, فلم أجد تلك الخطب الطويلة، والأحاديث المسهبة، وما يمكن وصفه بالطول تجد أن له متعلقاً بقصة أو معركة، فخطبته - صلى الله عليه وسلم - كلمات معدودة، لكنها تمتاز بخصائص نموذجية عالية مثل (الشمولية) في المعالجة للموضوعات المختلفة في شتى شؤون الحياة والعلم والدعوة, والسياسة والفقه, والعسكرية والإيمان؛ فهي ليست وعظاً محضاً مجرداً، بل يمتزج فيها الترغيب بالترهيب، والقصة بالعبرة، والحدث بالتحليل، والماضي بالحاضر بالمستقبل، وقضايا الإيمان واليقين بمسائل التشريع والتوجيه والتربية.
في لغة سهلة قريبة يفهمها الجميع، ولم تكن خطاباً خاصاً موجهاً للنخبة أو العلية، ولا لشريحة معينة؛ فالصغار والبسطاء والعامة مخاطبون بشكل مباشر, ولهم أهميتهم وقدرهم في خطاب لا تستهلكه الأحداث عن التوجيه والتربية العامة، كما لا يغيب عنها طرفة عين، كيف؟ وهو الصانع الرئيس لأهم الأحداث عليه السلام، والمشارك الأساس للناس في همومهم ومعايشة أدق التفاصيل في حياتهم.
ومن أعمق الملاحظات في وصف خطبه - صلى الله عليه وسلم - القول بأنها لغة (حوارية)؛ ممتلئة بكل أشكال تفاعل الناس والتفاعل معهم، والكثير الكثير من خطبه تجد أن أحداً يقوم فيسأل, وآخر يقوم فيستشكل، وثالث يشكو, ورابع يحكي..
وفي الصحيحين - فقط - من ذلك شيء عجيب, مثل حديث أنس, حينما كان صلى الله عليه وسلم يخطب, فدخل رجل فقال: يا رسول الله ألا تستسقي لنا؟!
فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقاهم الله, ثم في الجمعة القادمة دخل رجل؛ فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يمسكه عنا (أي: المطر).
ففعل صلى الله عليه وسلم، فأمسكه الله.
وفي خطبة عيد الأضحى, قام أبو برزة فقال: يا رسول الله إني ذبحت عناقاً.. إلخ وما أكثر الذين يقومون أو يدخلون من باب مسجده؛ فيسألونه وهو يخطب.
ومن ألطف هذا التفاعل نزوله - صلى الله عليه وسلم - من منبره وقد أَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ - رضي الله عنهما - عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ, فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا, فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَالَ: (صَدَقَ اللَّهُ {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ). ثم أكمل خطبته. كما عند أهل السنن وأحمد.
وهو صلى الله عليه وسلم بدوره كان يسأل ويوجّه, ويقيّم الذين لم يؤدوا تحية المسجد، ليعلم الناس أن هذه الخطب النبوية الشريفة تعايش واقع الناس, وتفهمه, وتوجهه إلى أرشد سبيل وأقوم نهج, بأسلوب علمي وعملي, دون أن تلحقه آفات التجريد والتنظير التي شغل بها بعض المعاصرين، أو سيئات التحزب والتصعيد التي فتن بها آخرون, وطريق الاعتدال هو بين الغياب عن هموم الناس وأحداثهم وبين أن تستهلكه مجموعة من الأحداث التي تفقده توازنه وتماسكه.
وأذكر لمّا دخل النظام البعثي الكويت صليت الجمعة مع أحد الخطباء، وكان الناس ينتظرون توجيهه حول الحدث والتعليق عليه، لكن فوجئت وفوجئ المستمعون بأنه كان يتحدث عن عذاب القبر, ولا أحد يقلل من قيمة الحديث عن ذلك, ولكن الموقف كان يستدعي نوعاً من الكلام المختلف، يتطلب شيئاً من التوعية والإضاءة للناس، فلو تكلم عن الإيمان أو التوكل أو الصبر أو أي شيء قريب من ذلك يمكن ربطه بالحدث؛ لكان أقرب إلى عقول الناس وحديثهم.
إن على من يريد توجيه الناس وإصلاحهم وبث الوعي الإيجابي ودعوتهم للإسلام أن يطالب نفسه باستخدام لهجة يفهمها الناس ويعرفونها، واستعمال أسلوب يتعاطى مع حسهم قبل أن يصف الناس بقلة الفهم وانحطاط الوعي والإدراك، وقبل أن يصفهم بالبعد عن الدين والعلم. إن اللغة السهلة القريبة الرقيقة هي جسر التواصل بين الخطباء والناس؛ فتأهيل الخطيب بفقه عام لأحوال الناس ولغتهم بُنْيةٌ أساسية لتحقيق فهم الناس للخطبة أولاً، وتفاعلهم واستجابتهم لها ثانياً، وهذا التأهيل أو قريب منه هو الذي اعترف به قوم صالح لنبيهم صالح عليه السلام، حين قالوا عنه: {يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} (سورة هود:62)، لقد كان (مَرْجُوًّا) لأنهم يعرفونه, وعاش معهم لحظات الوجود أولاً بأول، فكان خطابه محرجاً للجميع؛ لأنه جاء بالحق والدين والإيمان في واقع يعرفه جيداً, ولأناس هم قومه الذين عرفهم وعرفوه فكان (مَرْجُوًّا) فيهم.
ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - خير من أثبت في خطبته معنى الاهتمام بمخاطبة الناس, حتى إنه كان يفرق صلى الله عليه وسلم بين فئات المجتمع, ويدرك الفروق، وفي الصحيحين قصة خطبته للنساء, ووعظه لهن, وتفاعل النساء وأسئلتهن له صلى الله عليه وسلم، فالنساء تقوم, فتسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتستفسر وتستوضح في جو من التفاهم بديع.
وحتى منبره - صلى الله عليه وسلم - كان أرفع من الناس قليلاً, ليكون أقرب لشد انتباه الناس, واسترعاء اهتمامهم.
وكذا صوته صلى الله عليه وسلم، فلم يكن على وتيرة واحدة، فالطريقة الواحدة تبعث الملل، فكان يرفع صوته ويخفضه، ولذا كانت خطبة الجمعة خطبتين, بينهما جلسة قصداً لتيسير فهم الخطبة, والاستجابة لها.
ويقول جابر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب يرفع صوته ويخفضه, ويحمر وجهه, وتنتفخ أوداجه؛ كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم. رواه مسلم وابن ماجه وغيرهما.
وبالطبع فهذه ليست كل أحواله في خطبه، فهي تختلف في احتياجها لمثل هذا الشعور، فالموضوع والحدث يفرض أحياناً نوعاً من الاهتمام يختلف عن موضوع وحدث آخر.
لكن؛ بهذه الأوصاف جميعاً تدرك دقة المتابعة, ورقي الإحساس النبوي في الخطبة، وترى في الوقت ذاته غفلة بعض الخطباء عن هذه المعاني والأوصاف، وترى بُعدهم عن الهدي النبوي, فتشاهد إما طولاً مفرطاً, أو لغة رديئة، أو بعداً عن هموم الناس ومشاعرهم، أو ركاكة في التعبير، أو انفعالاً يبتعد عن سبيل الاعتدال الذي هو سمة هذه الأمة حين تُخاطب الناس, لتكون شهيدة عليهم, ومبلغة لرسالة الدين والحق, على خطى نبيها محمد صلى الله عليه وسلم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (سورة البقرة: 143).
صحيفة الجزيرة السعودية
تاريخ النشر في الموقع: 02/04/1427 هـ الموافق 04/30/2006 م
الكاتب: د. جمال الحسيني أبوفرحة
روى البخاري في صحيحه عن النبي – صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي". . وقال : "من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني".
وقد أساء بعض الناس – في رأيي - فهم هذين الحديثين وأمثالهما من الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن رؤيته – صلى الله عليه وسلم – في المنام، فضلوا وأضلوا؛ فظنوا أن كل من رأى في المنام أنه رآه فقد رآه حقيقة، وظنهم باطل؛ بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أن تختلف صور النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا صفاته.
وإنما معنى الحديث – في رأيي – أن من رآني على صورتي التي خلقت عليها فقد رآني؛ إذ لا يتمثل الشيطان بي؛ فلم يقل: من رأى أنه رآني، وإنما قال:" من رآني في المنام فقد رآني". وأنّى لهذا الذي رأى أنه رآه في منامه أنه رآه على صورته الحقيقية؟. ما لم يكن الرائي صحابيًا قد رأى النبي – صلى الله عليه وسلم- قبل موته.
فحتى صفته – صلى الله عليه وسلم– المروية في كتب الحديث والسير فهي من العموم الذي لا يمنع الاشتراك فيها معه، وليست كرؤية العين حتى يجزم الرائي برؤيته له – صلى الله عليه وسلم- .
ومن هنا فإن رؤيته – صلى الله عليه وسلم – في المنام آمرًا، أو ناهيًا، أو مظهرًا لحبه أو كرهه لشيء؛ لا يترتب عليها أي حكم شرعي: من وجوب، أو استحباب، أو إباحة، أو كراهة، أو تحريم، أو ولاء، أو براء – كما ظن بعض الناس؛ فضلوا وأضلوا – وإنما يعرض ما يكون من ذلك على القرآن والسنة؛ فإن وافقهما فبها ونعمت، وتكون الحجة هي الشريعة، أما الرؤيا فللتأنيس فقط ؛ وإن لم يوافق ذلك الشريعة رفض ولا شك؛ فإن الله تعالى لم يقبض إليه رسوله- صلى الله عليه وسلم – إلا بعد أن أكمل الدين، وأتم النعمة، وترك الأمة على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
د. جمال الحسيني أبوفرحة
أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة طيبة بالمدينة المنورة
gamalabufarha@yahoo.com
تاريخ النشر في الموقع: 17/03/1427 هـ الموافق 04/15/2006 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
































مايو 30th, 2006 at 30 مايو 2006 4:29 م
هذا الموقع رائع ويستحق التشجيع .